التغير الاجتماعي والتحولات الرقمية

نُشر بتاريخ 5 أكتوبر 2026 — د. محمد بن إبراهيم السيف
حجم الخط: شارك المقال:

التغير الاجتماعي والتحولات الرقمية

( النسق الرقمي نسق اجتماعي جديد):


في هذا المقال زعمت اننا نحتاج الى تجنب اي نزاعات متطرفة فجه تعتبر ان المجال الرقمي ينبئ بنوع من عصر جديد ومجتمع رقمي جديد، ونركز على علم اجتماع رقمي أو خدمه اجتماعيه رقميه يختلفان عن منهج علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية الحالية وادواتهما البحثية المميزة، وفي معرض مناقشتي لتوضيح هذه الحجة، اريد أن اسأل:


هل نحن امام مجتمع رقمي؟ ام نحن امام نسق رقمي جديد في المجتمع؟ وهل الانترنت والتحول الرقمي متغير مستقل خارج البناء الاجتماعي واستطاع ان يقسم المجتمع الى فئات؟ ام هو متغير تابع أصبح من نسيج المجتمع؟


على ضوء اجابه هذه الاسئلة يتضح اثر التحول الرقمي على البحث الاجتماعي وعلى علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بشكل عام، وحتى تتضح الإجابة وتكون مقنعة علميا اريد ان اعطي نموذج مماثل للتحول الرقمي مرت فيه المجتمعات الإنسانية منذ عقود وهو التصنيع والتقنية، فلقد مررنا بتجربة عن التصنيع والتقنية عقود كثيره، فمن المعلوم منهجيا ان البحث الاجتماعي دائما يتكون من متغير مستقل ومتغير تابع، المتغير المستقل دائما له أثر على العلاقات والظواهر الاجتماعية، وله علاقه أيضا بالمشكلات الاجتماعية المستجدة في المجتمع، ودائما في تصميم البحث الميداني المتغير المستقل يقسم مجتمع البحث الى فئات، بينما المتغير التابع يكون عاده من نسيج المجتمع وثقافته، وهو دائما ضحية للمتغير المستقل، وعندما ننظر لمتغير التصنيع والتقنية والذي عاش عقود كثيره نجد أنه مازال متغير مستقل مؤثر، استطاع ان يقسم المجتمعات الانسانية الى ثلاث فئات:


الفئة الاولى: المجتمع الصناعي ويسمى العالم الاول، وهو الذي يصنع الصناعة بجانبيها العامل والالة، بمعنى يصنع التقنية وقادر على تأهيل الأنسان الذي يشغل هذه التقنية، مثل مجتمعات كندا وامريكا الشمالية والاتحاد الاوروبي، وخصائص تلك المجتمعات الصناعية انعكست على ثقافه وبناء تلك المجتمعات من ناحيه المراكز والمكانات الاجتماعية وفيما يتعلق في حقوق الفرد والمرآه والطفل وقيمه الوقت.


الفئة الثانية: العالم الثاني، وهي المجتمعات التي تستورد التقنية والآله، ولكنها قادره على أن تصنع العامل، فالجامعات والمعاهد الفنية ومراكز بحوث فيها، قادره ان تخرج عماله وفنيين وخبراء يتعاملون مع التقنية المستوردة - مثل مجتمعات تايلاند وكوريا والهند والفلبين وايضا خصائص تلك المجتمعات باستيراد التقنية وصناعة العامل انعكست على ثقافه وبناء تلك المجتمعات من ناحية المراكز والمكانات الاجتماعية للأفراد وفيما يتعلق في حقوق الفرد والمرآه والطفل وقيمه الوقت.


الفئة الثالثة: العالم الثالث، فقد استطاعت التقنية والصناعة كمتغير مستقل تضع عالم ثالث، مجتمعاته مثل الدول العربية ودول افريقيا تستورد التقنية وتستورد بنفس الوقت العامل الذي يشغل التقنية المستوردة، فلا تستطيع مراكز بحوثه وجامعاته وكلياته ومعاهد الفنية تأهيل عماله تتعامل مع التقنية وتشغلها، وخصائص تلك المجتمعات باستيراد التقنية والعامل انعكس على ثقافه وبناء تلك المجتمعات من ناحية المراكز والمكانات الاجتماعية للأفراد وفيما يتعلق في حقوق الفرد والمرآه والطفل وقيمه الوقت.

وعلى أساس ما سبق فالتقنية في المجتمعات الإنسانية وخاصة في مجتمعنا مازال متغير مستقل، وهو بذلك مستمر كمؤثر بشبكه العلاقات والظواهر والمشكلات الاجتماعية، ولم تكن التقنية حتى الآن من نسيج ثقافته وبناء المجتمع، فلم تكن التقنية متغير تابع تتأثر بثقافة المجتمع، فهي متغير مستقل مؤثر قوي من خارج بناء المجتمع الانساني، خاصة عند استيراد الصناعة بجانبيها التقنية والعامل المشغل للتقنية المستوردة، ولهذا مازال البحث الاجتماعي يسعى لقياس اثر التصنيع والتقنية على بناء المجتمع وثقافته، اما التحول الرقمي والذي نعني فيه الوسائط الالكترونية والشبكة العنكبوتية والتي تحوي تطبيقات حكومية وتجاريه وبرامج التواصل الاجتماعي من الجيل الثاني فهي ما زالت حتى الان في مرحله المتغير المستقل، والدليل على ذلك انه استطاعت أن تقسم بناء المجتمع وثقافته الى قسمين، الاولى فتره قبل التحول الرقمي، والثانية فتره اثناء التحول الرقمي الحالية، بمعنى ان بين الفترتين نقطه صفر افتراضية، تفصل بينهما، وعن طريق المنهج المقارن ممكن قياس اثر التحول الرقمي على شبكه العلاقات الاجتماعية التقليدية مثل الاسرة والقرابة والحي والمهنة والتربية والاقتصاد والدين.


وباعتبار التحول الرقمي متغير مستقل، والمقارنة بين الفترتين التي عاشها المجتمع قبل وبعد التحول الرقمي، نستطيع ان نعرف علاقة وأثر كثير من التطبيقات التجارية والتطبيقات الحكومية وبرامج التواصل الاجتماعي الجيل الثاني على العلاقات والمشكلات الاجتماعية، بمعنى أن التحولات الرقمية حتى الان لم تكن من نسيج ثقافة المجتمع، فما زالت حتى الآن تعد متغير مستقل مؤثر.


لكن الملاحظ والمشاهد والاكيد أن التحول الرقمي من تطبيقات حكومية وتجاريه وبرامج تواصل اجتماعي تتجه بقوه أن تكون متغير تابع يتأثر بأنساق المجتمع الاخرى مثل النسق الامني والنسق السياسي والنسق الاسري والاقتصادي والقضائي، وبنفس الوقت يؤثر فيها ايضا فيها.

وعلى هذا الاساس يتكون في المجتمع من أثر التحولات الرقمية نسق جديد وهو ما نسميه النسق الرقمي، بمعنى لا يوجد مجتمع رقمي من أثر التحولات الرقمية، وبذلك لن يكون هناك علم اجتماع رقمي، أو خدمه اجتماعيه رقميه، بل سينشأ نسق جديد بالبناء اجتماعي باسم النسق الرقمي، يؤثر ويتأثر بثقافه المجتمع باعتباره متغير تابع، وهذا من شانه يمهد الطريق التوصل الى تحليل يناسب الظواهر والمشكلات الاجتماعية في ظل انتشار التواصل الرقمي بين الشبكات الاجتماعية، والتي تدفقت الى الشبكة العنكبوتية مثل بيانات دعاوي القضاء والاحوال الشخصية وبيانات الدعاوي الجزائية، والجرائم الالكترونية، والاختيار للزواج الكترونيا، والعلاقات الاجتماعية عبر الوسائط الالكترونية بشكل عام.


أ. د. محمد إبراهيم السيف

أستاذ جامعي واستشاري اجتماعي

→ الرجوع لكل المقالات