رؤية البروفيسور محمد السيف للمشكلةِ الاجتماعيةِ

نُشر بتاريخ 24 سبتمبر 2026 — د. محمد بن إبراهيم السيف
حجم الخط: شارك المقال:
رؤية البروفيسور محمد السيف للمشكلةِ الاجتماعيةِ

رؤية البروفيسور محمد السيف للمشكلةِ الاجتماعيةِ:

توجد خمسةُ عواملَ اجتماعيةٍ لها علاقةٌ بنشأةِ المشكلةِ الاجتماعيةِ وهي:

1- صراعُ المراكز الاجتماعية داخلَ النسق الاجتماعيِّ، مثل: الصراعِ في النسقِ الأسريِّ بينَ جيل الوالديْن وجيلِ الاولاد، والصراعِ بين الأشقاءِ، والصراعِ بين الإناثِ والذُّكورِ؛ من أجلِ تحقيقِ مكاسبَ معنويةٍ وماديةٍ.

2- الصراعُ والتداخلُ في الأدوارِ الاجتماعية بسببِ تغيُّر في المراكزِ الاجتماعية، مثل: ارتفاعِ مركَز البنتِ في الأسرةِ، ومنحِها فرصةً لتتخذَ قرارَ زواجها بدون اعتمادها كثيرًا على أبيها؛ فحدث تداخلٌ واضطرابٌ بين دور الأبِ ودورِ البنتِ في عمليةِ الاختيارِ للزواجِ؛ مما أحدَث مشكلاتٍ اجتماعية، فموافقةُ البنتِ على الزواجِ من الخاطِب بدون الاعتماد على الأبِ في مجتمعٍ ذكوريٍّ مُحافِظ كالمجتمع السعوديِّ قد يسبِّب طلاقًا أو تعاسةً زوجية؛ لأنَّ البنتَ لا يمكنها أنْ تعرفَ وتحددَ صلاحيةَ سلوك وشخصية الرجل الخاطِب كما يعرفُها الأبُ في مجتمع ذكوريٍّ، كذلك عندما تتخذ البنتُ قرارًا برفْض الزواج مِن الرجل الخاطِب، ربما ترفضُه بدون أيِّ مبرر رشيد؛ مما يسببُ مشكلةَ تأخُّر زواج هذه البنت وغيرها، لأنَّ رفضَها كان بدون مبرِّر لعدم معرفتِها أصلًا بسلوكِ وشخصيةِ الرجُل الخاطِب كما يعرفُها الأبُ خصوصًا في مجتمع ذكوريٍّ ومُحافِظ كمجتمعنا، إذًا المشاكلُ الزوجية ومشكلةُ تأخُّر زواجِ البناتِ قد تحدُث بسبب تداخُل وصراع الأدوار الاجتماعيةِ بين الآباءِ وبناتهم.

3- مبالغةُ الوالدين أثناءَ التنشئةِ الاجتماعيةِ بمَنْح حقوقٍ للأبناءِ والبناتِ بدون تكليفهم مقابل ذلك بواجباتٍ أسرية واجتماعية تُناسِب مرحلتَهم العمرية؛ فينتجَ عن ذلك أبناءٌ وبناتٌ يتصفون بالشخصية النرجسية، والتي تتصفُ بالغرور والتعالي على الآخرينَ، ولا تتقبل الآخَر بسهولة، ويصعُب تعايُشها مع الآخر، ويصدُر منها مشكلاتٌ اجتماعية متعددة في جميعِ مراحلِ العُمر؛ وتفسيرُ ذلك يرجع إلى أنَّ الوالديْن قد يمنحان الابنَ أو البنتَ حقوقًا مادية ومعنوية جيدة، كالمالِ والاحترام والهدايا والحماية والمدحِ والرعاية والدلال بدون تكليفهما بواجباتٍ كخِدمة الأسرة، والانضباطِ في اوقات النوم والاستيقاظ، والانضباط في اوقاتِ الخروج والعودة إلى المنزلِ، وعدم مطالبةِ الابنِ أو البنتِ بالالتزام بالمبادئِ الدينيةِ والمعايير الاجتماعيةِ والأنظمة المدرسية، وكذلك عدمُ مطالَبة كلٍّ مِن البنتِ أو الابن بخدمة نفسِه في المنزل وترتيبِ وتنظيفِ غرفته بنفسه، الحقيقةُ أنه عندما ترجَح كفةُ الحقوقِ الممنوحةِ على الواجباتِ المقرَّرة يُعَد هذا قصورًا في تنشئةِ الوالدين للأبناءِ والبناتِ؛ مما يخلُقُ في المجتمع أفرادا نرجسيين، واحتمالُ فشَلِهم في العلاقاتِ الاجتماعية كبيرٌ جدًّا، ويَشيعُ عندهم الشِّجارُ والردُّ الوَقِحُ وعقوقُ الوالديْن وكثرةُ الصِّراعِ مع الأشقاء، والعنفُ الأسريُّ، والتمردُ على الأنظمةِ المدرسية، وتجاوزأنظمةِ المرورِ، وسوءُ العِشرةِ الزوجيةِ، والطلاقُ المبكرُ، والترويحُ الجانحُ كالتفحيطِ بالسياراتِ.

4- مبالغةُ الوالديْن بتكليفِ الأبناءِ والبناتِ في أثناء التنشئةِ الاجتماعيةِ بواجباتٍ أسريةٍ واجتماعيةٍ بدون مَنْحِهم مقابلَ ذلك حقوقًا مادية ومعنوية كافية؛ فترجحَ كفةُ الواجباتِ المقرَّرة على كفةِ الحقوق الممنوحة، فينتج من ذلك أبناءٌ وبناتٌ لهم شخصياتٌ طُقوسيةٌ تتصفُ بالروتين والبرودِ وعدمِ التفاعل في العلاقاتِ مع الآخرين، وعدمِ التفاعُل مع النصائحِ والتوجيهِ الصادِر مِن الوالدين والمعلمين والأزواج، ويصدُر عن هؤلاء مشكلاتٌ اجتماعيةٌ متعدِّدة في جميع مراحل العمر؛ وتفسير ذلك: أنه قد يكلِّفُ الوالدان الابنَ أو البنتَ بواجباتٍ كخِدمة الأسرةِ، والانضباطِ في اوقاتِ النومِ والاستيقاظ، والانضباطِ في اوقات الخروج والعودةِ إلى المنزل، ومطالَبةِ الابنِ أو البنتِ بالالتزام بالمبادئ الدينيةِ والمعايير الاجتماعيةِ والأنظمةِ المدرسيةِ، وكذلك مطالبةُ كلٍّ منهما بخدمة نفسِه في المنزل، وترتيبِ وتنظيفِ غرفته بنفسِه، ولا يجدُ هذا الابنُ أو البنتُ من الوالديْن مقابلَ ذلك حقوقًا مادية اومعنوية جيدة كالاحترام والهدايا والحمايةِ والمدح والتشجيع والرعايةِ والدلال والمال والترويح، وهذا القصورُ في تنشئة الوالديْن للأبناءِ والبناتِ يخلُق في المجتمع أفرادا طقوسيين اعتياديين، واحتمالُ فشَلِهم في العلاقاتِ الاجتماعيةِ كبيرٌ جدًّا، ويشيعُ عندهم عدمُ التفاعل والبرودُ في العلاقاتِ الاجتماعيةِ مع الوالديْن والأشقاءِ والأزواجِ، ويفتقدونَ وجودَ أهدافٍ اجتماعية واضحة وعالية لديهم، كالرغبةِ في التفوق والنجاح المدرسيِّ، أو الرغبةِ في النجاحِ الاجتماعيِّ في الزواج، ويميلونَ إلى الانعزالِ والانسحابِ مِن أُسَرِهم، فتجدَهم يتخذونَ قرارَ الزواج بدون أيِّ تروٍّ؛ للتخلصِ مِن الواجباتِ الأسريةِ، وبعضُهم يبحثُ عن فُرَصٍ تدريبيةٍ وتعليميةٍ خارجَ منطقةِ السكن للهروبِ مِن الأسرة.

5- إعاقةُ تقاليدِ ومعايير المجتمعِ لأهدافِ الأفراد الاجتماعيةِ الأساسية؛ كتلك المتعلقةِ بالزواج والعمل، وهذا يخلُق مشكلاتٍ اجتماعيةٍ متعدِّدة؛ فمثلًا عندما يكونُ الزواجُ صعبًا على بعضِ الذكور والإناث في المجتع بسبب التكاليفِ المادية، أو بسبب ضيقِ المعاييرِ الثقافيةِ التي تتعلقُ بالجَمال أو المكانةِ الاجتماعيةِ أو العُمر أو الوظيفةِ، والتي تعرقلُ اختيارَ الفردِ عند الزواج، وتعرقلُ كذلك زواجَ الإناثِ وتؤخرُ زواجَ الذكورِ؛ فإنَّ كلَّ هذا يُحدِث مشكلاتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ مثل: الانحرافِ، أو الزواجِ قسْرًا مِن أجْل الزواج فقط، بدون أنْ يتحققَ الإشباعُ العاطفيُّ مِن شريكِ الزواج؛ فينتجَ مِن ذلك الطلاقُ العاطفيُّ وسوءُ العِشرة الزوجيةِ والخيانةِ الزوجيةِ، والأمرُ نفسُه قد يُحدِثُ مشكلاتٍ اجتماعيةً إذا أعاقتْ تقاليدُ وثقافة المجتمع اختيارَ الفردِ للتخصصِ العلميِّ المناسِب والمرغوبِ له، أو أعاقَت اختيارَه الوظيفيَّ الملائمَ لإمكانياتِه


بروفيسور/ محمد السيف

استشاري اسري ومرشد أكاديمي: تصميم بحوث ميدانية

→ الرجوع لكل المقالات